النووي

369

المجموع

دليلنا قوله تعالى ( حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) وقد بينا الرشد ما هو ، وهذا لم يؤنس منه الرشد فلم يفك عنه الحجر ولم يدفع إليه ماله ، كما لو كان ابن أربع وعشرين سنة . وأما قوله إنه آن له أن يصير جدا فلا اعتبار بكونه جدا ، ألا ترى ان المجنون يستدام عليه الحجر ما دام مجنونا ، وإن كان جدا ، إذا ثبت هذا فإنه ينظر في ماله من كان ينظر فيه قبل البلوغ ، لأنه حجر ثبت عليه من غير حاكم فكان إلى الناظر فيه قبل البلوغ ، كالنظر في مال الصغير ( فرع ) وأما إصلاح المال فلا يعلم إلا بالاختبار ، وفى وقت الاختبار وجهان ( أحدهما ) لا يصح إلا بعد البلوغ ، لان الاختبار أن يدفع إليه المال ليبيع ويشترى فيه وينفقه . وهذا لا يصح إلا بعد البلوغ ، فأما قبل هذا فهو محجور عليه للصغير والثاني يصح لقوله تعالى ( وابتلوا اليتامى الخ ) وهذا يقتضى أن يكون الاختبار قبل بلوغ النكاح ولان تأخير الاختبار إلى البلوغ يؤدى إلى الحجر على رشيد ، لأنه قد يبلغ مصلحا لماله ودينه ، فلو قلنا : إن الاختيار لا يجوز الا بعد البلوغ لاستديم الحجر على رشيد ومنع من ماله ، لأنه لا يدفع إليه إلا بعد الاختبار فإذا قلنا بهذا فكيف يختبر بالبيع والشراء ؟ فيه ثلاثة أوجه : ( أحدها ) يأمره الولي أن يساوم في السلع ويقدر الثمن ، وليس العقد ، لان عقد الصبي لا يصح ، ولكن يعقد الولي ، ومنهم من قال يشترى الولي سلعة ويدعها بيد البائع ويواطؤه على بيعها من الصبي ، فإن اشتراها منه بثمنها عرف رشده . ومنهم من قال يجوز عقد الصبي لأنه موضع ضرورة . وأما كيفية الاختبار فإن كان من أولاد التجار وأصحاب المهن الذين يخرجون إلى السوق ، فاختباره أن يدفع إليه شئ من ماله ليبيع ويشترى في السوق ، أو تترك له مناسبة يباشر فيها مهنة أبيه مستقلا تحت نظر الولي واشرافه ، فإن كان ضابطا جازما في البيع والشراء والحرفة دل على رشده ، وان عيى عما لا يتغابن الناس بمثله فهو غير رشيد .